
تعتبر ظاهرة 'شلالات الدم' في أنتاركتيكا واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للدهشة، حيث حيرت العلماء لعقود. في عام 1911، خلال بعثة تيرا نوفا، شاهد الجيولوجي البريطاني توماس جريفيث تايلور مياهًا حمراء داكنة تتدفق من نهر جليدي في وديان ماكموردو الجافة. بسبب هذا المنظر، أطلق على هذه الظاهرة اسم 'شلالات الدم'. لفترة طويلة، لم يتمكن العلماء من تفسير كيف يمكن للماء أن يبقى سائلاً في درجات الحرارة المنخفضة للغاية في أنتاركتيكا، وكيف يتكون هذا اللون الأحمر المذهل. ساعدت تقنيات التصوير المتقدمة ودراسات علم الأحياء الدقيقة في حل هذا اللغز. لا تمثل هذه الظاهرة مجرد سمة جيولوجية مثيرة للاهتمام، بل تقدم أيضًا أدلة مهمة لفهم البيئات تحت الجليدية، وأشكال الحياة القصوى، والبحث عن حياة خارج الأرض.
يرجع اللون الأحمر للشلالات إلى تسرب المياه من خزان شديد الملوحة تحت النهر الجليدي إلى السطح. يعتقد العلماء أن هذا الخزان تشكل منذ حوالي خمسة ملايين سنة عندما كانت المنطقة عبارة عن مضيق بحري، حيث حُبس ماء البحر القديم. مع تقدم نهر تايلور الجليدي، أصبحت هذه المياه معزولة تحت الجليد، وبقيت دون اتصال بالغلاف الجوي أو ضوء الشمس لملايين السنين. لذلك، تعتبر المياه المتدفقة من الشلالات كبسولة زمنية من ماضي الأرض. لفترة طويلة، لم يكن سبب اللون الأحمر واضحًا؛ تم اقتراح نظريات مختلفة من الطحالب الحمراء إلى المعادن المختلفة، لكنها لم تستطع تفسير سبب عدم تجمد المياه أو تحولها إلى اللون الأحمر عند وصولها إلى السطح.
ساعدت التحليلات التي أجريت في عام 2023 باستخدام المجاهر الإلكترونية عالية الدقة في حل هذا اللغز. تم العثور على جسيمات مجهرية بحجم حوالي واحد بالمائة من خلية الدم الحمراء البشرية في عينات من الشلالات. تحتوي هذه الجسيمات، المسماة 'الكرات النانوية'، على الحديد بالإضافة إلى عناصر مثل السيليكون والكالسيوم والألمنيوم والصوديوم. السمة الأكثر لفتًا للانتباه لهذه الجسيمات هي أنها ليست ذات بنية بلورية منتظمة؛ يصف العلماء هذه الهياكل غير المنتظمة بأنها 'غير متبلورة'. في البيئة الخالية من الأكسجين تحت النهر الجليدي، يبدو الماء شفافًا إلى حد كبير. ولكن عندما يصل هذا الماء إلى السطح ويتلامس مع الأكسجين في الهواء، يتأكسد الحديد المذاب فيه. تعطي الكرات النانوية غير المتبلورة الغنية بالحديد والأيونات المختلفة المصاحبة لها شلالات الدم لونها الأحمر البرتقالي المميز.
شلالات الدم ليست مجرد تكوين جيولوجي غير عادي، بل هي أيضًا مختبر طبيعي يوضح أن الحياة يمكن أن تستمر حتى في أصعب الظروف. البيئة تحت النهر الجليدي مظلمة تمامًا، شديدة البرودة، ومالحة للغاية، وتكاد تخلو من الأكسجين. على الرغم من ذلك، تمكن بعض الكائنات الحية الدقيقة من البقاء على قيد الحياة هنا. تحصل هذه الكائنات على طاقتها ليس من ضوء الشمس، بل من المواد الكيميائية في محيطها. تسمى هذه الكائنات 'كيميائية التغذية الذاتية'، وهي تستخدم مواد غير عضوية مثل الحديد والكبريت لإنتاج الطاقة. تشير الأبحاث إلى أن البكتيريا المؤكسدة للكبريت ذات الأصل البحري، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ Thiomicrospira arctica، تلعب دورًا مهمًا في هذا النظام البيئي. سبب تدفق الشلالات دون تجمد هو الملوحة العالية للمياه؛ حيث تعمل نسبة الملح العالية على خفض نقطة تجمد الماء، مما يسمح له بالبقاء سائلاً حتى في درجات الحرارة المنخفضة للغاية في أنتاركتيكا.
يعتبر العلماء شلالات الدم منطقة نموذجية مهمة لدراسة إمكانية الحياة على الأجرام السماوية المغطاة بالجليد مثل المريخ أو قمر المشتري يوروبا. تسمى هذه المناطق 'مواقع تماثلية'، وتوفر فرصة لدراسة ظروف مشابهة لتلك الموجودة على كواكب أو أقمار أخرى على الأرض. يُعتقد أنه قد توجد تحت سطح المريخ خزانات مياه مالحة وغنية بالحديد ومعزولة بكتل جليدية، تمامًا كما هو الحال هنا. قدرة الكائنات الحية الدقيقة على البقاء في مثل هذه البيئة القصوى والمعزولة في شلالات الدم قد توفر أدلة مهمة حول أين وكيف يمكن البحث عن آثار الحياة على أجرام سماوية أخرى ذات ظروف مماثلة. بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه المنطقة فرصًا لتقنيات الاستشعار عن بعد؛ حيث يمكن للعلماء استخدام التحليل الطيفي لدراسة تكوين المياه تحت الجليد والرواسب المعدنية على السطح دون حفر مباشر. من خلال تحليل البصمات الضوئية المنبعثة من شلالات الدم، يحاولون تحديد المعادن الداخلية والآثار المحتملة للحياة. وبالتالي، تعتبر شلالات الدم واحدة من أكثر الأنظمة الطبيعية غرابة على وجه الأرض، حيث تقدم للعلماء معلومات قيمة عن ماضي الأرض والحياة المحتملة في الفضاء.
اسأل عن هذا الخبر
الإجابات من الذكاء الاصطناعي، من هذا الخبر فقط.
هذا ملخّص قصير مُنشأ بالذكاء الاصطناعي. الخبر الكامل موجود في المصدر.
اقرأ الخبر كاملًا من المصدرbilimgenc.tubitak.gov.tr